العيني

93

عمدة القاري

هدبة بن خالد ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن همام . ذكر معناه : قوله : ( من نسي صلاة فليصل ) ، كذا وقع في جميع الروايات : ( فليصل ) ، بحذف الضمير الذي هو المفعول ، ورواه مسلم عن هدبة بن خالد بلفظ : ( فليصلها ) ، وزاد أيضا من رواية سعيد عن قتادة : ( أو نام عنها ) ، ولمسلم أيضا في رواية أخرى : ( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول : * ( أقم الصلاة لذكري ) * ) ( طاه : 14 ) . وعند النسائي : ( أو يغفل عنها ، فإن كفارتها أن يصليها إذا ذكرها ) . وعند ابن ماجة : ( سئل عن الرجل ، يغفل عن الصلاة أو يرقد عنها ، قال : يصليها إذا ذكرها ) . وفي ( معجم ) أبي الحسين محمد بن جميع الغساني : عن قتادة عن أنس : ( إذا ذكرها أو إذااستيقظ ) . قوله : ( إذا ذكر ) ، أي : إذا ذكرها . فإن قلت : هذا يقتضي أن يلزم القضاء في الحال إذا ذكر ، مع أن القضاء من جملة الواجبات الموسعة اتفاقا ؟ قلت : أجيب عنه بأنه لو تذكرها ودام ذلك التذكر مدة ، وصلى في أثناء تلك المدة ، صدق أنه صلى حين التذكر وليس بلازم أن يكون في أول حال التذكر ، وجواب آخر : أن : إذا ، للشرط كأنه قال : فليصل ، إذا ذكر ، يعني : لو لم يذكره لا يلزم عليه القضاء ، أو : جزاؤه مقدر مقدر يدل عليه المذكور أي : إذا ذكر فليصلها ، والجزاء لا يلزم أن يترتب على الشرط في الحال ، بل يلزم أن يترتب عليه في الجملة . قوله : ( لا كفارة لها إلاَّ ذلك ) أي : لا كفارة لتلك الصلاة المنسية إلاَّ فعلها ، وذلك إشارة إلى القضاء الذي يدل عليه قوله : ( فليصلها إذا ذكرها ) ، لأن الصلاة عند الذكر هي القضاء ، والكفارة عبارة عن الخصلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة ، أي : تسترها ، وهي على وزن : فعَّالة ، للمبالغة ، وهي ، من الصفات الغالبة في الإسمية . وقال الخطابي : هذا يحتمل على وجهين : أحدهما أنه لا يكفرها غير قضائها ، والآخر : أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة ، ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها ، إنما يصلي ما ترك . قوله : ( أقم الصلاة لذكري ) ، بالألف واللام وفتح الراء بعدها مقصورة ، ووزنها : فعلى ، مصدر من ذكر يذكر ، وفي رواية مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرؤها كذلك ، والقراءة المشهورة : لذكري ، بلام واحدة وكسر الراء ، كما يجيء الآن ، وعلى القراءتين اختلفوا في المراد بهذا ، فقيل : المعنى لتذكرني فيها ، وقيل : لأذكرك بالمدح والثناء وقيل : لأوقات الذكرى ، وهي مواقيت الصلاة . وقيل : لذكري لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، وقيل : لذكري خاصة لا ترائي بها ولا تشبها بذكر غيري ، وقيل : شكرا لذكري . وقيل : أي أذكر أمري . وقيل : إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله ، فمتى ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة . وقال التوربشتي : هذه الآية تحتمل وجوها كثيرة من التأويل ، لكن الواجب أيضا أن يصار إلى وجه يوافق الحديث . فالمعنى : أقم الصلاة لذكرها لأنه إذا ذكرها فقد ذكر الله تعالى ، أو : يقدرالمضاف أي : لذكر صلاتي ، أو : وقع ضمير الله في موضع ضمير الصلاة لشرفها وخصوصيتها . ذكر ما يستنبط منه : وهو على وجوه : الأول : الأمر بقضاء الناسي من غير إثم ، وكذلك النائم سواء كثرت الصلاة أو قلت ، وهذا مذهب العلماء كافة ، وشذ بعضهم فيمن زاد على خمس صلوات بأنه لا يلزمه قضاء ، حكاه القرطبي ، ولا يعتد به ، فإن تركها عامدا فالجمهور على وجوب القضاء أيضا ، وحكي عن داود وجمع يسير عد ابن حزم ، منهم خمسة من الصحابة ، عدم وجوب قضاء الصلاة على العامد لأن انتفاء الشرط يستلزمم انتفاء المشروط ، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي إذا ذكر ، والخمسة الذين ذكرهم ابن حزم من الصحابة وهم : عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وسلمان ، رضي الله تعالى عنهم ، وغيرهم : القاسم بن محمد وبديل بن ميسرة ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وسالم بن أبي الجعد وأبو عبد الرحمن الأشعري ، . وأجيب عنه : بأن القيد بالنسيان فيه لخروجه على الغالب أو لأنه ما ورد على السبب الخاص مثل أن يكون ثمة سائل عن حكم قضاء الصلاة المنسية ، أو أنه إذا وجب القضاء على المعذور فغيره أولى بالوجوب ، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، وشرط اعتبار مفهوم المخالف عدم الخروج وعدم وروده على السبب الخاص ، وعدم مفهوم الموافق ، وادعى ناس بأن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله : ( نسي ) ، لأن النسيان يطلق على الترك سواء كان عن ذهول أم لا ، ومنه قوله تعالى : * ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) * ( الحشر : 19 ) . * ( نسوا الله فنسيهم ) * ( التوبة : 67 ) . أي : تركوا أمره فتركهم في العذاب ، قالوا : ويقوي ذلك قوله : ( لا كفارة لها ) ، والنائم والناسي لا إثم عليه ، وضعفه بعضهم بأن